سحر بستان اللوز
سحر حدیقة اللوز
نوشتۀ: حسین خسروی
مترجم: الدکتور عبدالحسین خواجعلی
منتشر شده در: فصلنامه عربیزبان شیراز ، شماره 17، خریف 2013 (با نام: سحر بستان اللوز)
و متن فارسی داستان در: ماهنامه انشا و نويسندگي،سال چهارم،شماره 28، بهمن 91
في ربیع تلک السنة کمئات بل آلاف السنین المنصرمة، کانت الذئاب تعیش مع الناس، والکلاب تمضي الأیام بمنأی عن الناس في الجبال والبیداء. فی تلک السنة ،کالسنة الماضیة والسنوات النائیة، انبثق الربیع من خلال الأحجار وأکوام التراب، ودبّ تحت جلود أشجار اللوز ، وأخذ یصعد شیئاً فشیئاً إلی أن اقترب إلی رؤوس الأغصان وأحدث صدوعاً في الأغصان الناعمة اللطیفة وتفتّق عن براعم خضراء، ثم انزلق من أطراف الأوراق ونزل في عین الماء، ثم جاش وکرکر وأخذ یجري جارفاً في سبیله الثلوج دون وعي منها إلی جداول وانتهی بها إلی جذور الأشجار وصبّها في السهول، وأخرج الکلأ والأعشاب، وأودع النسیم عطرها النافذ الفوّاح لیذهب به هنا وهناک، ولیوقظ احساساً مبهماً ضائعاً؛ ولتتنقل الفراشات والنحل من هذه الوردة إلی تلک، وتعدو السناجب من ذاک السهل إلی هذه الحدیقة، ولتلعب جراء الذئاب أمام بیوت القریة مع أولاد!
کانت هذه القریة محفوفة بالسهول الخصبة، وکانت تکتنف القریة والسهول حلقة من التلال والروابي والجبال، اللهمّ إلا ثغرة من الناحیة الشمالیة لهذه الدائرة یعبر منها نهر وبجانبه یمتد طریق، وکلّما ابتعدت عن القریة في السهل، وجدت الغطاء النباتي أکثر برّیة ووحشیة. وحیناجتیاز الحقول تبدو الآجام مع أشجارها الباسقة والقصیرة، ثم شجیرات الغابة التي کانت تتسلّق سفوح الهضاب وتغطي کل سطوحها والتلال والروابي، و خلف هذه الهضاب والروابي کانت هضاب أخری تمتد إلی جبال شاهقة بقممها العصیّة الشامخة المستدقة، التي تضفي علی طلوع الشمس وغروبها عن القریة مسحة غریبة. وأشعة الشمس من ذورة القمم الشرقیة تأتي القریة وتغمرها، وبعد یوم من الحرث والزرع والقیام بتسریح الأغنام وشذب الریاض، والقیام بالشؤون المنزلیة، والخیاطة والطباخة وتناول الغذاء، والدرس وکتابة الواجبات المدرسیة واللعب وتناول وجبة العصر؛ تتدحرج الشمس من حافة القمم الغربیة إلی ماوراءها میمّمة شطر القری والمدن النائیة، ویخلف الشمس اللیل بهدوء وحذر، یطأ بأقدامه أرض القریة ویجثم علی ظلال السفوح الغربیة ینتظر إلی أن تلملم الشمس بقایا أشعتها الباهتة من السفوح الشرقیة وتذهب بها. ثم یبدأ اللیل ینشر ظلامه مع نسیم الأصیل البارد علی أصول الأشجار والأزقّة الضیقة ثم علی القریة بأسرها.
فیالمساءات یعود الناس وذئابهم من الحدائقوالحقول إلی بیوتهم یتجاذبون أطراف الحدیث متحلقین حول المواقد ثم ینصرفون إلی عشائهم، ثم إلی فراشهم، فتتجول الذئاب أمام البیوت متوثّبة مرحة وتقوم بحراسة البیوت. وبین الفینة والأخری وهی شبه نائمة في منتصف اللیل تری فیما یری النائم الکلاب منحدرة من سفوح الجبال، مسیطرة شیئاً فشیئاً علی السهل والحدائق، متنسّمة الروائح المتبقّیة من الناس والذئاب وهي تبتعد من برد الجبال، وملاحقة تلک الروائح لتنتهي إلی حظیرة الأغنام لتختطف خروفاً إن سنحت الفرصة أو لتمزق بقرة میتة أو حماراً علی وشک الموت وتلتهم لحومها ثم تعود مشبعة وغیر مشبعة تحت ضوء القمر إلی أوجرتها الباردة في الجبال وإن في نفسها لحسرات.
ولم یکن لیتهیّأ لها کل ذلک إلّا حین کان الناس وذئابهم یغادرون المزارع. ولو لم یکن الأمر کذلک لکانت أهوالها وأوجالها أکثر وطعامها أقلّ، وقد یتبّل هذا الطعام النئ بضربة أو جراحة، وعلی الرغم من کل ذلک کانت هذه الإغارة تعدّ ظفراً عظیماً إذا ما لم تکن تنتهی إلی محاصرة الذئاب لهذه الکلاب وجرائها وافتراس بعضها.
وکانت قد تعبت الکلاب من المجئ بخوف، والعودة ملطخة بالدم، فأخذت تتهامس فیما بینها، ثم همست إلی جیرانها وأخیراً في فصول الشتاء الباردة في الجبال إلی أخلافها وأحفادها بأننا سمعنا في الأساطیر بکلب تعلق بأنثی ذئب تحمل في عیونها سرّ ضوء القمر، وقد عاش معها فترة بمعزل عن عیون الذئاب والفلاحین في کوخ صغیر، في زاویة من حدیقة ذات أشجار اللّوز عیشة هانئة سعیدة، وقبل أن تکون أسنان الذئاب الحادّة تتمکن من أن تخضّب الأعشاب بدمه ودم الذئبة الشابة قد هرب في غروب کئیب وسط ضوضاء الرعاة العائدین من السهل یناوش ذئاب القطیع في الکرّ والفرّ، حاملاً معه ذکری تلک الأیام، مستودعاً ایّاها الذاکرة الجماعیة للکلاب،وحین کان هذا الأحساس الکامن یطفو من الأعماق تمنّت الکلاب لو کانت مکان الذئاب تأکل في جوار الناس، وتترعرع جراؤها لا في الغیران والأودیة المصقوعة وإنّما في أرجاء الحدائق وبیوت الناس، تعدو مع الصبیان وتداعبها أیدي الصبیّات، وتواکب الرعاة حین یسرّحون قطعانهم للرّعی لترجع إلی القریة مشبعة منتعشة موفورة النشاط... وأیّ عاطفة سوف تکون عاطفة الحبّ للنعاج والأطفال لکلب قد أکل حتی الشبع باسطاً ذراعیه أمام البیت واضعاً رأسه علیها مستسلماً للنوم الهادئ!
وتناقلت الأسطورة الألسن إلی أن مضت آلاف السنین، وقفزت الشمس من أعلی القمة الشرقیة علی القمة الغربیة وجاء اللیل والبرد والجوع، وجاء الناس والذئاب، وسالت من رؤوس الکلاب ووجوهها الدماء وظلت الأوضاع علی هذه الحالة واستمرت إلی أن مضی اللیل وانقضی الشتاء وتصرّم الربیع وتقضّت الأعمار وتنقلت هذه الحکایة من جبل إلی جبل ومن سهل إلی سهل حتی سمع الجمیع أن کلباً شابّاً کان قد سأل أباه عن وکر في زاویة حدیقة اللوز، وأجاب الأب في خوف مکظوم أن لیس للکلاب مثل هذا المکان وهو یدري أنه موجود إذ وجّه الأب نفسه ذات یوم إلی جدّه هذا السؤال: أین حدیقة اللوز؟ وآنس في عیني الجدّ هذا السؤال: هل توجد تلک الحدیقة التي یقولون؟ وإذا وجدت فأین هی؟
ومضی کلّ ذلک وانقضی إلی أن رأی کلب شابّ في صبح ربیعیّ جمیل ومثیر ، ذئبة شابة تتناجی عیونها مع ضوء القمر، وبعد هذا اللّقاء لم یأکل الکلب الشابّ یوماً طعاماً وبکی، ولم یأکل لیومین اثنین ونظر، ولم یأکل لثلاثة أیام ورکض، ولم یأکل لأربعة أیام ووقف، ولم یأکل لخمسة أیام وقعد، ولم یأکل لستة أیام وسقط، ولم یأکل لسبعة أیام ونام، إلی أنّ کلبة وهی رئیسةکلاب السفوح الشرقیة، وکذلک رئیسةکلاب السفوح الغربیة، وکانت أم ذاک الکلب الشاب، قد حشدت جمیع الکلاب الخبیرة بخطوب الحیاة لتعالج داء ولدها، فتشاور جمیع الکلاب الهرمة للجبال الغربیة والشرقیة والجنوبیة ملیّاً ثم قال أکبرهم: إنه قد ابتلي بسحر أسطورة حدیقةاللوز، وقد ماتت لحدّ الآن مئات الکلاب من جرّاء هذا الداء، وسیلحق بها هذا الکلب الشاب بعد مضیّ سبعة أیام أخر بعد هذه السبعة. ولن نتحدث نحن الکلاب المتمرّسة بالخطوب عن طریق العلاج الوحیدة والملیئة بالمخاوف والقلیلة الأمل، إذ إن هذه الحیلة الخطرة قد جرّت عشرات الکلاب إلی حدیقة اللوز وقتلتها دون الوصول إلیها.
وکانت الیمامة التي تروي هذه القصة قالت: إن جمیع الکلاب الهرمة قد قرأت الکتب الطبیة بأکملها مرّة ومرتین ومرات کثیرة، ووجدت في کتاب عتیق أن کلباً شاباً إن أصیب بفتنة عیون تحمل معها سرّ ضوء القمر ولم یأکل سبعة أیام شیئاً ووضع رأسه بین یدیه وحدّق إلی القریة دون أن یطرف بصره، لیس علاجه بالشئ الهیّن الیسیر، ولابدّ له أن یذهب مستخفیاً من عیون الذئاب في لیلة یتألق فیها القمر بعد أربع عشرة لیلة بین ألف نجم زاهر، ویتفتح ألف ألف برعم علی ألف غصن من شجر اللوز وتتساقط ألف ألف قطرة ندی علی ألف تویجیّة، وإن...
ولکن بقیّة النص من هذا الکتاب لم تکن قابلة للقراءة لتعرف الکلاب ماذا یجب علیها أن تفعل، فنظر بعضها إلی بعض، ثم نظرت جمیعها الی کلبة التی کانت رئیسة الکلاب و کان ولدها قد ابتلي بسحر ضوء القمر، ولم ینبس أحد ببنت شفة. ثم قامت رئیسةجمیع کلاب الجبال الغربیة والشرقیة والجنوبیة و رئیسة الکلاب للسهول بین الجبال، وعلت ذروة صخرة وعوت عواء ألیماً بحیث إن ذلک القمر الذي کان یتألق بعد أربع عشرة لیلة بین ألف نجم زاهر، أخفی وجهه خلف السحب وانبجست من عین اللیل ألف قطرة ندی، وتساقط ألف برعم لوز علی الأرض؛ ودوّت عواؤها في سماء القریة وتناهی إلی الأزقة وسمع في حدائق الرمان والعنب والتین، وکذلک سمعته أشجار السفرجل واللوز، وسمعها أحد ذئاب القریة الذي کان قد سافر کثیراً، فذهب إلی أعلی مکان من أعلی بیت في القریة، وردّ علی عوائها وسمع عواء الذئب الجمیع، وکذلک سمعته تلک الذئبة التي کان ولدها یحترق في سحر ضوء القمر، فنزلت من الصخرة ودون أن تندّ عنها کلمة انطلقت لتوّها رکضاً إلی القریة، وتوقفت ثمّة وحملقت إلی الذئب الذی کان قد سافر کثیراً وقالت له بعینیها ما لم یکن لسانها بقادر علی أن یعبّر عنه وتبادلا بینهما کثیراً من الأحادیث، ثم اتّفقا علی أن ترحل طائفة الذئاب لمدّة قصیرة فقط إلی سفوح الجبال وتحل محلها في القریة الکلاب القاطنة في الجبال قبل أن تمضي سبعة أیام أخر بعد السبعة الفائتة، لیتحرّر من سحر حدیقة اللوز ذاک الکلب الشاب الذي قد رأی في صبح ربیعی رائق تلک الذئبة الشابة التي تتناجی عیونها مع ضوء القمر، وآنذاک ستعود الذئاب إلی البیوت والکلاب إلی الجبال.
قالت الیمامة: في یوم آخر بعد السبعة الفائتة وقبل أن یزمع الیل للرّحیل ویبدأ النور للحول، رحل قطیع الذئاب عبر الناحیة الشرقیة إلی الجبال ووصلت الکلاب عبر الناحیة الغربیة إلی القریة، وعن وعي ودون وعي، و توطّن و أقام کل کلب أینما دخل... وبعد ذلک جاءت السهل بضعة فصول للتّفتح ثم غادرت، وقدمت القریة بضعة فصول لجني الثمار ثم انصرفت، وأتت الحدیقة عدة أیام لتساقط الأوراق ثمّ رحلت، وتکدّست علی الجبال الثلوج برفقة البرد بضع مرات ثم ذابت وفارقت. وذهبت الکلاب من هذا البیت إلی ذاک، ومن تلک الحدیقة إلی هذه، واستلقت مرتاحة أمام الموقد جوار الناس، وقعدت في الحظیرة بجانب الأغنام، ووقفت في الزقاق بجانب الباب. وعدت الذئاب من هذا السهل إلی ذاک الجبل، ومن ذاک الجبل إلی ذلک الوادي وتلقّت الثلج وعانت منه، وأصابها المطر وأصیبت بالبرد، ولم یعد الذئب الذي کان قد سافر کثیراً من رحلته. وقالت الیمامة التي کانت تروي هذه القصة إنها قد رأت في القریة طفلاً راعیاً یدعو کلبه (ذئبیّ: شبیه بالذئب) ویطعم جراءه بیده ویعدو معها لاهیاً لاعباً. ومضی کل ذلک وانقضی إلی أن أصبحت ذئبة عظیمة کان في ذمتها دماء مائة کلب وتلوح في جبینها آثار مائة جرح، ملکة السهل والجبل والوادي، واتخذت هذه الذئبة العظیمة التي کانت قد أصبحت الآن ملکة الذئاب في سهل بعید لا یقدر سبعة فرسان طیلة سبع لیالٍ أن یصلوا إلی بدایته، وهو واقع بین جبلین شاهقین لا تستطیع سبع عقبان في سبعة أیام أن تصل إلی نهایته، في وادٍ لا تصل سبعة أنهر متدفقة هادرة طوال سبعة أعوام من الخصب وکثرة المیاه إلی أواسطه.
ووکلت الذئبة عشرة ذئاب حادة الأسنان لحراسة ذلک الوادي ومائة ذئب حادة العیون لمراقبة ذلک الجبل وألف ذئب قویة البراثن لحراسة ذلک السهل، وفي لیلة فیها غیم ولم یکن فیها القمر جمعت ملکة الذئاب تلک الذئبة العظیمة التي اتخذت لنفسها وعرینة فی وادٍ کبیر بین جبلین شاهقین في سهل بعید، ذئاب الجبال الغربیة والشرقیة والجنوبیة في وادي الذئاب لتقول ماذا ینبغي أن تفعل الذئاب، وتسمع منها ما هو العمل الذي لابدّ من إنجازه، فقالت الذئاب وسمعت، وتبادلت الأحادیث. وبعد بضع مرات امتلأ فیها الجبل ثلجاً والوادي ماءً والسهل نباتاً، أتفقت الذئاب علی أن تذهبمائة ذئب خبیر بخطوب الحیاة في لیلة فیها غیم ولیس فیها القمر إلی المعبر الأخیر للذئاب في السهل وإلی أول مرصد للکلاب في القریة، وتتحدّث إلی الکلاب عن المیثاق الذي أبرمته کلتا الطائفتین، وترغب إلی الکلاب أن ترحل في لیلة فیها غیم ولیس فیها القمر عبر الجانب الشرقی إلی الجبل لتعود الذئاب الملوک السابقون المسیطرون علی الطرق الواقعة بین الحدائق في القریة، إلی منازلها وترسل أولادها برفقة أبناء القریة الذین لفحت وجوههم الشمس إلی رعي الأغنام، وبرفقة فتیات القریة اللائي کن یلبسن تنّورات ملوّنة لقطف الأزهار، ولتری الذکریات التي تقرؤها الآن في مطاوي الکتب بأمّ أعینها.
ومن ذلک الحین إلی الآن، وطوال آلاف السنین و في کل لیلة یظهر فیها غیم ویغیب فیها القمر،تآتیمائة ذئب خبیر بالخطوب الحیاة عند المعبر الأخیر للذئاب ویسأل الکلاب التي تقففی المعبر الأخیر للکلاب في القریة صائحة:آووووو...آوووو...آووو؛أي کیف أحوال شابکم المریض؟ وتجیبها الکلاب بصوت واحد: عوووعووو عووو: سیئة... سیئة... سیئة!
قالت الیمامة ذلک وأطبقت الکتاب وأغلقت باب الوکر وأغمضت عینیها... ونحن لانزال کلما أظلّنا اللیل نسمع صوت الذئاب السهول النائیة وتجاوب کلاب الحدایق الدانیة لها وقد نتساءل: ألم یتماثل للشفاء بعد ذاک الکلب الشاب الذي کان قد ابتلي بسحر حدیقة اللوز؟
10/9/90
اصفهان
برچسبها: ادبیات داستانی, داستان کوتاه ایرانی, حسین خسروی, سحر بستان اللوز